شمس الدين السخاوي

130

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = الدينية ، إذ به يكتسب العبد الإخوان والأصدقاء ، وبه يكتسب صفة السّخاء ، ويلتحق بزمرة الأسخياء ، فلا يوصف بالجود إلا من يصطنع المعروف ، ويسلك سبيل المروءة ، وهذا - أيضاً - مما يعظم الثواب فيه ، فقد وردت أخبار كثيرة فيها الحث على الهدايا ، والضيافات ، وإطعام الطعام من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها ، وبيّنتُ قسماً حسناً منها في كتابي « المروءة وخوارمها » . وأمّا وقاية العرض فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء ، وثلب السفهاء ، ودفع شرّهم ، وقطع ألسنتهم ، وهذا - أيضاً - مع فائدته في العاجلة فهو من الحظوظ الدينية - أيضاً - . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « ما وقي به المرء عرضه ؛ فهو له صدقة » ، فكيف ولا ؟ وفيه منع المغتاب عن معصية الغيبة ، واحتراز عما يثور من كلامه من العداوة التي تحمل في المكاره والانتقام على مجاوزة الحدّ في الشرع ، وبيّنت هذا في مقدمة كتابي « شعر خالف الشرع » يسر الله إتمامه بمنه وكرمه . وأما الاستخدام فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسبابه كثيرة ، ولو تولاّها بنفسه ضاعت أوقاته ، وتعذّر عليه سلوك سبيل الآخرة ، بالفكر والذكر الذي هو أعلى مقامات السالكين ، ومن لا مال له افتقر إلى أن يتولىّ بنفسه خدمة نفسه من شراء الطعام ، وطبخه ، وكنسه البيت ، حتى نسخ الكتاب الذي يحتاج إليه ، وكلّ ما يتصور أن يقوم به غيرك ، ويحصل غرضك ، فأنت مغبون إذا اشتغلت به ، إذ عليك من العلم والعمل والفكر والذكر ما لا يتصور أن يقوم به غيرك ، فتضييع الوقت في غيره خسران . واعلم أن الزائد من المال الذي يفضل عما يحتاج إليه من الكفاف يجرّ إلى المعاصي فإن الشهوات متقاضية والعجز قد يحول بين المرء والمعصية ، ومن العصمة أن لا يقدر ومتى كان الإنسان آيساً عن نوع من المعصية لم تتحرك داعيته ، فإذا استشعر القدرة عليه انبعثت ، والمال نوع من القدرة يحرّك داعية المعاصي وارتكاب الفجور ، فإن اقتحم ما اشتهاه هلك ، وإن صبر وقع في شدّة ، إذ الصبر مع القدرة أشد و ( فتنة السراء أشد من فتنة الضراء ) . النوع الثالث : أنه يجر إلى التنعم في المباحات ، وهذا أقلّ الدرجات فمتى يقدر صاحب المال أن يتناول خبز الشعير ، ويلبس الثوب الخشن ، ويترك لذائذ الأطعمة كما كان يقدر عليه سليمان - عليه السلام - في ملكه ، وأحسن أحواله أن يترك التنعّم بالدنيا لما يعلم من سرعة انقضائها لئلا يمرن عليه نفسه ، فيصير التنعّم مألوفاً عنده ، ومحبوباً إليه لا يصبر عنه ، ويجرّه البعض منه إلى البعض ، وإذا اشتد أنسه به ربّما لا يقدر على التوصّل إليه بالكسب الحلال ، فيقتحم الشبهات ، ويخوض في المراءاة ، والمداهنة ، والكذب ، والنفاق ، وسائر الأخلاق المردية ، لينتظم له أمر دنياه ، ويتيسّر له تنعُمُه ، فإنَّ من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس ، ومن احتاج إلى الناس فلا بدّ أن ينافقهم ويعصي الله في طلب =